محمد سعيد رمضان البوطي
56
من روايع القرآن
( ت : 129 ) هو أول من نقط القرآن ، أو أن الذي بدأ بذلك هو نصر بن عاصم الليثي ( ت 89 ) . وهي في الحقيقة لا تنافي ما نقلناه ، فقد كان كلّ من يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم تلميذين لأبي الأسود الدؤلي ، وقد كان يحيى بن يعمر قاضيا بمرو ، فلعله عمد فنقط مصحفه على نحو ما فعل أستاذه ، قبل أن يفعل ذلك هناك أحد غيره ، وأما عمل نصر بن عاصم فهو في أغلب الظن إنما يعتبر طورا آخر من التحسين بعد العمل الذي قام به أبو الأسود ، تدلّ على ذلك الرواية التي ساقها ابن خلكان ، إذ يقول ( ثم كثر التصحيف وانتشر بالعراق ؛ ففزع الحجاج بن يوسف إلى كتّابه ، فسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات ، فيقال إن نصر بن عاصم قام بذلك ) « 1 » . فأنت ترى أن الحجاج إنما أمر كتّابه أن يعملوا شيئا تتميز به الحروف المشتبهة في القرآن ، والحروف المشتبهة إنما هي المهملة والمعجمة كالحاء والجيم والعين والغين . فيكون عمل نصر ابن عاصم إن صحّت الرواية تنقيطا ، لتمييز المتشابه من الحروف لا لضبط الشكل والإعراب كما فعل أبو الأسود . ثم إن هذا التحسين الذي ذكرناه ، دخل طورا ثانيا ، بل أخذ يتدرّج في أطوار متلاحقة ، لا يمكننا أن نضبط كلّا منها بتاريخ دقيق صحيح ، وأن ننسبه إلى شخص معين في رواية موثوقة . ولكن مما لا شك فيه أن للحجاج عملا عظيما في ذلك بقطع النظر عن تفاصيل ما قام أو أمر به كما يقول الدكتور صبحي الصالح « 2 » . ومما لا شك فيه أيضا أن النقط والشكل تكامل وجودهما في القرآن على عهد الخليل بن أحمد ( المتوفى : 170 ) عندما ألّف كتابه في النقط والشكل « 3 » . وظلت الخطوات التحسينية في رسم القرآن مطّردة إلى يومنا هذا ، ابتغاء تحقيق المزيد من ضبطه وتسهيل قراءته . إلا أن الظاهرة الأولى المتعلقة بإملائه
--> ( 1 ) انظر المرجع السابق : 1 - 135 . ( 2 ) انظر كتاب مباحث في علوم القرآن للدكتور صبحي الصالح : 97 . ( 3 ) وفيات الأعيان : 1 - 172 .